المحقق البحراني

43

الكشكول

على أحد معنيين : ( أحدهما ) أن يكون للإنسان في شيء رأي وله إليه ميل بطبعه فيتأول القرآن على وفق طبعه ورأيه ، حتى لو لم يكن له ذلك الميل لما خطر ذلك التأويل بباله سواء كان ذلك الرأي مقصدا صحيحا أو غير صحيح ، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيستبدل على تصحيح غرضه من القرآن بقوله تعالى : اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ويشير إلى أن قلبه هو المراد بفرعون كما يستعمله بعض الوعاظ تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع وهو ممنوع ( الثاني ) أن يشرع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيها من الألفاظ المبهمة وما يتعلق به من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير والمجاز ، فمن لم يحكم بظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي ، مثاله قوله تعالى : وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها فالناظر إلى ظاهر العربية ربما يظن أن المراد أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء وإنما المعنى آية مبصرة - انتهى . أقول : قد سبقه إلى التأويل الأول أبو حامد الغزالي في أوائل الإحياء ، فإنه بعد أن بالغ في الرد على الباطنية ومن يحذر حذوهم قال : ومثال تأويل أهل الطاعات قول بعضهم في تأويل قوله تعالى : اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى إنه أشار إلى قلبه قال : المراد بفرعون هو الطاغي على كل إنسان ، وفي قوله تعالى : أَلْقِ عَصاكَ كلما تتوكّأ عليه وتعتمد مما سوى اللّه تعالى : وذكر أمثلة أخرى مما تجري هذا المجرى ثم قال : فهذه أمور تدرك بالتواتر والحس بطلانها وبعضها يعلم بغالب الظن ، وذلك في أمور لا يتعلق بها الإحساس فكل ذلك حرام وضلالة وإفساد للدين على الخلق ، ولم ينقل شيء من ذلك عن الصحابة ولا التابعين ولم يظهر لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار » معنى الا هذا النمط ، وهو أن يكون غرضه ورأيه تقرير أمر وتحقيقه ، فيستخير شهادة القرآن عليه وتحميله عليه من غير أن يشهد لتنزيله عليه دلالة لفظية لغوية أو نقلية . وينبغي أن يفهم منه أنه يجب أن لا يفسر القرآن بالاستنباط والفكر ، فإن من الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والتابعين والمفسرين خمسة معاني وستة وسبعة وتعلم أن جميعها غير مسموعة من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإنها قد تكون متنافية لا تقبل الجمع ، فيكون ذلك مستنبطا بحسن الفهم وطول الفكر ، ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لابن عباس : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » - انتهى .